قالت منصة أربين (Abren) – التي يديرها أكاديميون إثيوبيون في الولايات المتحدة- إن طائرات تابعة لسلاح الجو المصري قصفت مواقع لتعدين الذهب في منطقة جبل العقيدات بولاية نهر النيل السودانية، بالقرب من الحدود المصرية في 16 يونيو الجاري، مما أسفر عن مقتل 30 شخصًا على الأقل وإصابة أكثر من 80 آخرين. 

 

وأدى الهجوم إلى نزوح جماعي من مواقع التعدين القريبة مثل جبل الأحمر وجبل الأبيض. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم، ولم تصدر الحكومة المصرية أي بيان. 

 

وبحسب التقرير، فإن الحادث يندرج ضمن نمط متزايد من النشاط العسكري المصري على طول الحدود الشمالية للسودان، ويعكس حسابات استراتيجية أعمق مرتبطة بحوض النيل.

 

العمليات العسكرية المصرية في السودان (2025-2026) 


أفادت التقارير بأن طائرات ومسيرات مصرية قصفت في يونيو وأكتوبر ونوفمبر 2025، وفي 9 يناير 2026 قوافل الأسلحة التي تتحرك بين قاعدة الكفرة الجوية ودارفور.

 

وقالت إن الهدف المعلن هو منع وصول الأسلحة التي تزود بها الإمارات العربية المتحدة إلى قوات الدعم السريع ومنع التدخل الخارجي في الحرب الأهلية السودانية.

 

لكنها رأت أن الرحلات الجوية المتكررة تعكس تواجدًا مصريًا متزايدًا داخل الأراضي السودانية، يتجاوز المخاوف التقليدية المتعلقة بأمن الحدود.

 

اشتباكات سابقة في مناطق التعدين 


سبق أن اتهم عمال المناجم قرب نقطة التقاء العوينات القوات المصرية بمهاجمتهم داخل الأراضي السودانية، بزعم حماية شركة تعدين مصرية. وكان هؤلاء العمال قد دفعوا رسومًا لشركة الموارد المعدنية السودانية، وناشدوا الدولة توفير الحماية لهم، مما يسلط الضوء على نمط استخراج الموارد المدعوم عسكريًا.

 

نزاع مثلث حلايب


يُمثّل مثلث حلب محور السياسة الحدودية المصرية. فقد حدّد الاتفاق بين بريطانيا ومصر لعام 1899 الخط السياسي عند خط العرض 22 شمالاً، ما جعل حلب جزءًا من السودان، بينما منح الترتيب الإداري في عام 1902 مصر سلطة على الشؤون المحلية. 

 

وفي عام 2012، أنشأت مصر شركة شلاتين للثروة المعدنية، وهي شركة مساهمة مملوكة بنسبة 34% للهيئة الوطنية لمشاريع الخدمة العسكرية. وتتولى الشركة مهمة التعدين بين خطي عرض 22° شمالاً و24° شمالاً، وهي منطقة تشمل المثلث المتنازع عليه ومنطقته البحرية الغنية بالموارد.

 

لماذا يُعد السودان محوريًا في استراتيجية مصر الإقليمية؟


معادلة قوة حوض النيل


تمتعت مصر خلال معظم القرن العشرين بالهيمنة الهيدروسياسية بفضل المعاهدات إبان الحقبة الاستعمارية:


معاهدة 1929 بين مصر وبريطانيا- منحت مصر حق النقض على مشاريع التنقيب عن النفط والغاز.


اتفاقية مياه النيل لعام 1959 - خصصت 55.5 مليار متر مكعب من المياه سنويًا لمصر و 18.5 مليار متر مكعب للسودان، متجاهلة حقوق دول المنبع التي تساهم بأكثر من 85% من تدفق النهر.
رفضت إثيوبيا، التي لم تكن طرفًا في تلك الاتفاقيات، هذه الاتفاقيات باعتبارها فرضًا استعماريًا غير شرعي، وهو موقف يدعمه القانون الدولي الذي يحظر إلزام الأطراف الثالثة باتفاقيات لم توقع عليها.

 

سد النهضة الإثيوبي 


تم افتتاح سد النهضة الإثيوبي في سبتمبر 2025. وحوّل تشغيله النزاع من "هل يمكن إيقاف بناء السد؟" إلى: "كيف يمكن لمصر أن تحافظ على نفوذها في حوض النيل الذي باتت إثيوبيا تتحكم فيه بقوة المياه؟".

 

إلى جانب الطاقة الكهرومائية، يُمكّن السد إثيوبيا من تصدير الكهرباء، وتوطيد العلاقات الاقتصادية الإقليمية ، وممارسة نفوذها الناعم. أما بالنسبة لمصر، فقد تجاوزت المخاطر الآن مسألة المياه لتشمل إعادة توزيع النفوذ الجيوسياسي في شرق أفريقيا.

 

تحالف مصر مع القوات المسلحة السودانية


منذ اندلاع الحرب الأهلية في السودان، أصبحت مصر أحد أبرز الداعمين العسكريين والدبلوماسيين للقوات المسلحة السودانية. وتحد هذه الشراكة من حرية السودان في انتهاج سياسات مستقلة، لا سيما تلك التي تمس مصالح مصر في النيل.

 

وردد السودان علنًا موقف مصر بشأن سد النهضة، لكن التقارير الداخلية تكشف عن تبعية أشبه بالرهينة بدلاً من توافق حقيقي في السياسات.


توفر الحكومة السودانية المتحالفة مع القوات المسلحة السودانية لمصر موطئ قدم مستقر على الضفة الجنوبية لنهر النيل، وهو أمر ضروري مع تآكل نفوذ مصر التقليدي.


المكاسب الاقتصادية– الذهب والزراعة والتجارة


تشير التحقيقات التي أجرتها منظمة "سودان بيس تراكر" إلى أن الذهب المستخرج من الأراضي السودانية- بما في ذلك المناطق الحدودية المتنازع عليها - قد تم تحويله إلى احتياطيات البنك المركزي المصري طوال فترة النزاع.

 

كما يتم توجيه صادرات السودان الزراعية والحيوانية عبر شركات مرتبطة بمصر بأسعار منخفضة، مما يخلق تدفًقا أحادي الاتجاه للموارد من السودان الذي مزقته الحرب إلى مصر المستقرة نسبيًا.

 

لا تتطلب هذه التدفقات الاقتصادية أن تكون مصر قد دبرت الحرب؛ فالسودان الضعيف والمجزأ أكثر استعدادًا لقبول شروط تجارية غير متكافئة واتفاقيات استخراج الموارد التي تفيد مصر.

 

الأثر الإنساني للضربات الحدودية


أصبح التنقيب الحرفي عن الذهب استراتيجية للبقاء على قيد الحياة بالنسبة للنازحين السودانيين، لا سيما بعد أن تسببت الحرب في نزوح الملايين. وتزيد العمليات العسكرية، مثل غارة جبل العقيدات الجوية، من حدة عدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي القائم.

 

تؤدي الخسائر البشرية والنزوح الجماعي من مواقع التعدين إلى تآكل سبل العيش.


تؤكد هذه الهجمات كيف تتداخل العمليات الأمنية واستخراج الموارد بشكل متزايد في سياسة مصر الحدودية.

 

هل تدير مصر أزمة أم أنها تصنعها؟


وفقًا للتقرير، فإن انخراط مصر في شمال السودان مدفوع بثلاثة دوافع مترابطة:

 

أمن الحدود – منع تسلل الجماعات المسلحة.


النفوذ الجيوسياسي– الحفاظ على السودان حليفًا استراتيجيًا مواليًا للقوات المسلحة السودانية في ميزان القوى في حوض النيل.


الميزة الاقتصادية– الحصول على الذهب والمنتجات الزراعية والعمالة من جار غير مستقر.


تُبيّن الغارة الجوية على جبل العقيدات كيف تتداخل هذه الأهداف، مُخلّفةً تكاليف إنسانية ومُعززةً في الوقت ذاته اعتماد مصر على السودان المُنهك . ومع إعادة تشكيل سد النهضة لسياسات المياه الإقليمية، يبدو أن حسابات مصر تُشير إلى أن السودان المُقيد سياسيًا والمُعتمد اقتصاديًا يُحقق أفضل خدمة لمصالح مصر الاستراتيجية طويلة الأمد.

https://abren.org/2026/06/18/egypts-sudan-intervention-and-the-geopolitics-of-dependency/